اسماعيل بن محمد القونوي
363
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( أو لتمكنهم من العلم به ) فيكون إخراجا للكلام على مقتضى خلاف الظاهر موافقا لمقتضى الحال فإن غير العالم قد ينزل منزلة العالم لوضوح الدليل القائم أشار إليه بقوله ( بأدنى نظر ) أي بنظر سهل غير عميق فيلقى إليه الكلام الذي يليق أن يلقى إلى العالم بالفعل وأنت خبير بأنه لما دل الآيتان المذكورتان على علمهم بذلك فما الباعث إلى التنزيل المذكور إلا أن يقال إن هذا بالنسبة إلى من لا يعلم من الدهري كما قيل « 1 » في قوله تعالى : قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [ طه : 50 ] فإن الكلام مع فرعون وهو دهري غير عارف فنزل تمكنه من العلم به منزلته فكذا هنا لكن وجود الدهري في المخاطبين المشركين محل تأمل فالاكتفاء بالأول أحسن وأولى والقول بأنهم غير معترفين بغاية الخلق وإن اعترفوا بنفسه كما ينطق به قوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ [ التوبة : 65 ] الآية قليل الجدوى فإنه لا معنى لغاية الخلق ونفسه وإن أراد كيفية الخلق فكل الناس سواء فيه فإذا اعترفوا بأنه تعالى خالق الكل كما نطق به الآيتان أو لتمكنهم من العلم به حسن إخراج الجملة يخرج المفرد عندهم وأما التوحيد فلا تعرض له في هذه الجملة صريحا وإن لزم فلا معنى للإشكال بأن تمكنهم بأدنى نظر إنما هو العلم بوجود الصانع وأما كونه واحد أو خالق الكل فيحتاج حصول العلم به إلى مزيد تأمل على أن الفرق تحكم لأن المراد بالتمكن لقوة برهانه وترك التعقيب والتمسك بالإنصاف والنظر الصحيح في ترتيب مقدماته فلا ريب أن لا فرق بينهما . قوله : ( وقرىء من قبلكم ) بفتح الميم القراءة المشهورة بمن المكسورة الجارة والتقدير والذين خلقهم قبل خلقكم فحذف الفعل الذي صلته وأقيم متعلقه مقامه كما قاله أبو البقاء يعني أن من قبلكم ظرف مستقر وقد مر أن الفعل الخاص يليق بالتقدير في الظرف المستقر إذا قامت قرينة عليه وهنا كذلك فلا وجه لاشكال البعض بأن من قبلكم ليس في الإخبار به عن الأعيان فائدة « 2 » . بخلاف وَالَّذِينَ [ البقرة : 21 ] في الآية فإنه غير مفيد فكيف يجوز تأكيده أقول ولعل هذا هو جهة إشكال هذه القراءة عنده ثم قال والجواب إن الذين مفيد أيضا فائدة الإشارة وإن كان المشار إليه مبهما ولهذا يرجع الضمير إليه والضمير إنما يرجع إلى المفيد فإنك تقول الذي فعلته وقال الشيرازي وأنا لا استحسن هذا الكلام سؤالا وجوابا فإن ذلك بمنزلة التأكيد اللفظي فإنه قد يكون بإعادة عين اللفظ الأول وقد يكون بذكر مرادفه وذلك جار في الحروف فضلا عن الموصولات ثم الجواب أن تيم وهو الذي يقول في المفصل والموصول ما لا بد له في تمامه اسما من جملة تردفه من الجمل التي تقع صفات ولعمري إن في الاعتراف بإشكاله تسامحا لأن التأكيد اللفظي بمرادف كثير وبإعادة عينه أكثر وقد ذهب الأخفش في نحو ما إن زيد قائم إلى أن إن للتأكيد .
--> ( 1 ) إلا أن يقال إن الخطاب عام للمشركين قاطبة غير مختص بأهل مكة ولا شك في وجود الدهري حين النزول في أقطار الأرض . ( 2 ) قيل وقد أشكل بأن الجار والمجرور لا يصح أن يكون صلة إذا جاز أن يخبر به عن المبتدأ ومن قبلكم ناقص ليس في الإخبار به عن الأعيان فائدة فلا يصح أن يقع إلا بتأويل فكذلك حكمه في الصلة وتأويله -